طنجة :محمد الزيدي
لايمكن البتة الحكم على القطر الجزائري كدولة تستحق هذه الكلمة،فعلاقاتها الدولية تبدو مضطربة وكأن قادتها أصيبوا بهلع كبير لايدرون أين يتجهون ولا أين يقودون شعبهم،وهنا يبدو أن المادة السياسية التي كانوا يشتغلون عليهاقد تآكلت فلا أحد من الجيل الصاعد يصدق خرافات الشهداء وتضحيات رجال الجبال بأرواحهم ومالهم وفي بعض الأحيان بعرض نسائهم من أجل سراب الإستقلال الذي بين عشية وضحاها أصبح هذا الإرث بين أيادي طغمة عسكرية غاشمة وفاسدة في الآن نفسه.
ويكاد يحار أي محلل رصين في تناول الوضع الداخلي الجزائري بلد يتخبط في دوامة الإنهيار،ذالك البريق الثوري الرومانطيقي الذي كان يلهم الكتبة المغامرين وعليهم مسحة الزهد غارقين في التنمر من طغيان الرأسمالية وتوسعها الفظيع ضاربة بعرض الحائط بكل ماهو إنساني هاهم الآن قد انقرضوا وزادهم أفول نجم الصحافة الغربية الورقية التقليدية بل وغروب شمسها أمام صعود صحافة رقمية لا تبقي ولا تذر وهنا لم يبق سوى أمام عسكر متنفذ إلا استئجار بعض الأقلام الجائعة للمال والإمتيازات والموت في ضميرها كل قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان،والغاية من هذا هو كسب الوقت ونسيان الإشارات التي لا تتردد في اتهام العسكر بارتكاب مذابح في العشرية السوداء وإجهاض الديمقراطية الفتية.
كانت الفتاة الجزائرية ذات الثلاثين ربيعا والمنحدرة من منطقة الشاوية ذات غنج ودلال غير متحكم فيه،لقد ألفت الغناء في التلفزيون الرسمي الجزائري نعم لقد كانت تتكسر في رقصها وهي على عكس "الشيخات" المغربيات السمينات يركزن في رقصهن على بطونهن وتحريك وتمويج الأرداف مما يثير الغرائز نظرا لإتقانهن للمقام الموسيقي الخنثوي وهذا مايشجع البخلاء اللذين يحضرون الحفل على الجود والكرم "الغرامات" مما يعطي لمنظمي الحفل ومنتجيه مردودية كبيرة وجني فوائد مالية غزيرة.
ومما لا شك فيه أن جنرالات الجزائر يفضلون "الشيخات"المغربيات في حفلاتهم العائلية والخاصة على المطربات الجزائريات وهذا ليس فقط بسبب دافع الإشتهاء وحتى إتقان المغربيات ولكن وهذا سبب رئيسي أن المطربات الجزائريات فقدن خاصية الإغراء والجاذبية أثناء صعود جبهة الإنقاذ الإسلامي برءاسة عباس مدني في ثمانينات القرن الماضي لقد غرسوا قيما محافظة وحجبوا المرأة عن كل فضاء عام محاولين فقط جعلها آلة لإنجاب الأولاد وجعلها رهن إشارة الرجل عندما يناديها للفراش.ورغم انقضاض العسكر عليهم ونزع شأفتهم لأنهم كانوا يعتبرون الإخوان المسلمين الجزائريين كالسمكة في الماء فلم يكتفوا بقتلهم بل تجاوزوا إلى المحيط والبيأة السكانية التي كانت تحتضنهم.
عندما قدمت فتاة الشاوية إلى مدينة طنجة،فتشت فقط عن أحد المنشطين الإذاعيين المحليين في إذاعة جهوية منسية لأنهم نصحوها أن تتصل به وهو وقتها كان على علاقة بالأحزاب الإشتراكية وفي نفس الوقت كان زعيم إشتراكي جزائري مصاهرا لأحد قيدومي وممولي المقاومة المغربية ويسكن بالجبل الكبير في منزل بل قصرا فخما تحيط به أشجار باسقة وبساتين غناء تستقطب وفرة من طيور تزقزق فوق الأغصان وتغرد بدون تعب أو كلل. لكن مرادها مع الأسف لم يتم فصاحبنا صادف أنه كان في نهاية الأسبوع وهو لا يمكنه التوقف عن الذهاب إلى مربع الحية وحانته الشهيرة في الغندوري
التي أوكلت مهام تدبيرها إلى ولده الذي كان يحسن معاملة المنتخبين الفاسدين في الجماعات المحلية وعندما يحسون بنشوة النبيذ يوقعون صفقات مشبوهة أقلهاتمرير الإسفلت على الطرقات تقتلعه أول نزلات المطر وتترك على المحجات حفرا تسبب ياللهول أضرارا فظيعة في عجلات السيارات.فتاة الشاوية المغنية لم تصدم من عدم عثورها على المنشط الإذاعي،ومنه طلبت من شاب مار بجانبها إن كان في إمكانه أن يوصلها إلى "حانة الخبز الحافي"التي كان الكاتب الراحل محمد شكري لا يغادرها وهي تقع بالضبط تحت فندق الريتز والذي بالمناسبة يمتلكه أحد المعتقلين السياسيين في سنوات الجمر والرصاص،وفعلا أوصلها،إلى باب الفندق،وأثناء مساعدتها من طرف باطونيي الفندق حتى بادرها بسؤال عن ماتحمله في هذه الحقائب الثلاث الثقيلة ولكنها لم تستجب،مما جعله يلتمس منها مساعدته في فتحها خصوصا وأنه شكك في قدومها من الجزائروهذا البلد كثرت عليه الشبهات ويوجد في عزلة قاتلة،فرضتها عليه علاقاته الدولية المتشنجة مع المجتمع الدولي،لكن المفاجأة كانت صادمة فالحقائب الثلاث لا تضم سوى كتلا نقدية من الدينار الجزائري ضخمة في حجمها خفيفة في قيمتها صرفها إن تمكنت منه لا يكفيها سوى أسبوعا من جفن البيصار الفول مما سيجبرها على الإشتغال في ملاهي طنجة الليلية ولم لا خرجات مع بعض الزبائن اللذين يعشقون غناء الراي الأصلي.لقد بدأت فعلا تنهار وطلبت من إرشادات الفندق إن كان في إمكانه تزويدها بهاتف المغنية الداوديةلانها ستطلب منها مساعدتها وتذكرها بما كانت تعاملها لما كانت تنزل ضيفة على الجزائر وكان العسكر يستخدمونها كمخدر للشباب الجزائري الطائش والمتلهف للترفيه.
لم تتمكن إدارة الفندق من تقديم أية خدمة لها،غير أن سكيرا كان يتمهل في توءدة يتلافى الإسراع في هبوط الدرج حتى لا يقع على رأسه وتنكسر رقبته،ووراءه والعياذ بالله عجوزا في الغابرين مزوقة بمحسنات صينية رخيصة،حتى بادر مطربتنا الجزائرية قائلا لها بلسان ثقيل غير مبين:
-إنه يعرف أحد المشتغلين بإذاعة ميدي آن بالمصلى وهو جزائري الأصل استقدمه كازالطا أيام صعود الخوميني عقب سقوط نظام الشاه بإيران،وبدون شك هذا الجزائري وهو بدوره يشتغل في عالم الموسيقى لكن موسيقاه غالبا مايقدمها في مراكز البعثات الثقافية الأجنبية والفرنسية بالخصوص "يمكنه مساعدتك".
لكن صاحبتنا وهي في حيرة من أمرها ردت عليه بالرفض،وطلبت من إدارة الفندق إن كان في الإمكان توجيهها نحو حلاق نسائي أو مختلط قريب من الأوطيل.
فعلا لما قضت مآربها رجعت للفندق،وبدأت تضرب الأخماس في الأسداس كيف لبلد مثل المغرب لا يتوفر على غاز ونفط لكنه قطع أشواطا في التنمية خصوصا أحدث إصلاحات جوهرية شملت البنيات التحتية،وقاعدة لابأس بها في الصناعة التحويلية وأكثر من هذا أصبح مغر في جذب الإستثمارات وأيضا خلق تنافسية في جذب السياح مما حسن دخله وانعكاس ذلك اجتماعيا،لكن بلدها الجزائر وبالرغم من توفرها على الغاز والنفط ودر ذلك لدخل مهم من العملات الصعبة لكن السلطة الحاكمة،اختارت صرفها على التسلح وإعداد الجيش بل وذهب العسكر إلى إعلان التعبئة الوطنية لأنهم يحسون بخطر داهم يهدد استقرار البلد.
فتاة الشاوية الجزائرية،لو صدقت أن هذه الهلوسات ستصيبها في أول زيارة لطنجة،لقفلت عائدة نحو بلدها توا،لكن حنقها نحو العسكر ما كان يمكنها أن تخف منه،خصوصا وأنها تشك في أن بصماتهم كانت وراء اغتيال الشاب حسني صديقها الحميمي وهما كانا يقضيان فترة حميمية في مستغانم مدينة الأنس والمتعة بدون منازع.
ومرة راودها ضابط متوسط في الجيش الشعبي ..حقيقة كادت أن تنصاع له لولا شكوكها بأن عرض عليها حمل حقيبة معها مثقلة ببنكنوت الدولار والأورو وتسافر بها نحو بلد أوروبي لتقيم هناك حفلا فنيا أمام الجالية الجزائرية...وبالرغم من محاولة إقناعها بأنه صدرت أوامر للجمرك بمطار بومدين بعدم تعريضها للتفتيش إلا أن شكوكها زادت عندما عرض عليها زيارة طبيب لقد خافت من تخديرها والقيام بتصويرها في أوضاع بورنغرافية لا تليق بالمجتمعات المحافظة،وهكذا لم تحقق رغبته وانصرفت دون تودبعه.




سوف أترجم هذا المقال للإنجليزية بحثا له عن مزيد من القراء وتعميم الفائدة
ردحذف